أبو علي سينا
57
الشفاء ( المنطق )
الفصل الثالث « 1 » في أن كل تعليم وتعلم ذهني فبعلم قد سبق لتعليم والتعلم منه صناعي مثل تعلم النجارة والصباغة ، وإنما يحصل بالمواظبة على استعمال أفعال تلك الصناعة . ومنه تلقيني مثل تلقين شعر ما أو لغة ما « 2 » ، وإنما يحصل بالمواظبة على التلفظ بتلك الأصوات والألفاظ ليحصل ملكة . ومنه تأديبي ، وإنما يحصل بالمشورة على متعلمه . ومنه تقليدي ، وهو أن يألف الإنسان اعتقاد رأي ما ، وإنما يحصل له من جهة الثقة بالمعلم . ومنه تنبيهي كحال من يعلم أن المغناطيس « 3 » يجذب الحديد ، لكنه غافل عنه في وقته ولا يفطن له عند إحساسه جاذبا للحديد ، فيعجب منه ، فيقال له : هذا هو المغناطيس الذي عرفت حاله . فحينئذ يتنبه ويزول عنه التعجب . أو كمن يخاطب بالأوائل « 4 » فلا يفطن لها لنقص في العبارة أو في ذهنه فيحتال في تقريرها له . ومنه أصناف أخر ، وليس شيء منها بذهني أو فكري . والذهني والفكري هو الذي يكتسب بقول مسموع أو معقول من شأنه أن يوقع اعتقادا أو رأيا لم يكن ، أو يوقع تصورا ما لم يكن « 5 » . وهذا التعليم والتعلم الذهني قد يكون بين إنسانين وقد يكون بين إنسان واحد مع نفسه من جهتين . فيكون من جهة ما يحدس الحد « 6 » الأوسط في القياس مثلا - معلما ، ومن جهة ما يستفيد النتيجة من القياس - متعلما . والتعليم والتعلم بالذات واحد وبالاعتبار اثنان . فإن شيئا واحدا - وهو انسياق ما إلى اكتساب مجهول بمعلوم - يسمى بالقياس إلى الذي يحصل فيه - تعلما ، وبالقياس إلى الذي « 7 » يحصل عنه ، وهو العلة الفاعلة - تعليما . مثل التحريك والتحرك . وكل تعليم وتعلم ذهني وفكري فإنما يحصل بعلم قد سبق . وذلك لأن التصديق والتصور الكائنين بهما إنما يكونان بعد قول قد تقدم مسموع أو معقول . ويجب أن يكون ذلك القول معلوما أولا ، ويجب أن يكون معلوما لا كيف اتفق ، بل من جهة ما شأنه أن يكون علما ما بالمطلوب : إن لم يكن بالفعل فبالقوة .
--> ( 1 ) م ، ب ساقطة . ( 1 ) م ، ب ساقطة . ( 2 ) س ساقطة . ( 3 ) م ، ب مغناطيس . ( 4 ) أي القضايا الأولية البينة بذاتها . ( 5 ) م " أو رأيا لم يوقع تصورا ما لم يكن " . ( 6 ) س بالحد . ( 7 ) من قوله فيه إلى قوله الذي ساقط في م .